انسجام قانوني ظاهري بلا إلزام حقيقي
من حيث الشكل والمضمون، تبدو الوثيقة منسجمة جزئيًا مع الإطار القانوني السوري القائم، إذ تستند صراحةً إلى المرسوم التشريعي الصادر عام 2011 والمتعلق بتسوية أوضاع فئة «مكتومي القيد» ومنح الجنسية السورية لفئة محددة من المواطنين الأكراد في محافظة الحسكة. كما تشير بوضوح إلى مواد قانونية بعينها، ولا سيما المادتين الرابعة والسابعة، وتحيل مسؤولية التنفيذ إلى الوزارات والجهات المعنية، في انسجام ظاهري مع آليات العمل الإداري المعروفة في مؤسسات الدولة. غير أن هذا الانسجام يبقى شكليًا، إذ إن الوثيقة ليست مرسومًا تشريعيًا ولا قرارًا وزاريًا منشورًا في الجريدة الرسمية، بل كتابًا إداريًا توجيهيًا، ما يجعل قوتها الإلزامية محدودة، ومشروطة باستكمالها بإجراءات تنفيذية رسمية لم تصدر حتى الآن.
التفاف قانوني مقصود وغموض محسوب
الإشكالية القانونية الأعمق لا تكمن فيما تقوله الوثيقة، بل فيما تتجنبه. فالاستناد إلى مرجعية تشريعية قائمة لا يعني بالضرورة تفعيلها، خصوصًا في ظل غياب آليات تنفيذ واضحة، وعدم تحديد إجراءات زمنية أو مؤسسية ملزمة. ويزداد هذا الغموض مع الخلل اللافت في التسلسل الزمني للوثيقة، ولا سيما ما يتعلق بتاريخ التوقيع مقارنة بتاريخ المرسوم المشار إليه، وهو خلل يصعب اعتباره مجرد خطأ إداري. في السياق السوري، غالبًا ما تُستخدم مثل هذه الثغرات الشكلية كأدوات تحوط سياسي وقانوني، تتيح إعادة توصيف الوثيقة لاحقًا بوصفها توجيهًا إداريًا غير ملزم، وتُضعف قابليتها للاحتجاج القضائي، ما يُفرغها من أثرها العملي.
إدارة سياسية للملف بدل معالجته
سياسيًا، لا تمثل الوثيقة تحولًا فعليًا في مقاربة ملف شديد الحساسية يتعلق بالجنسية والهوية والانتماء القومي، بقدر ما تعكس استمرار نهج إدارة الأزمات عبر التهدئة اللفظية والمراوغة القانونية. فهي تُرسل إشارات تطمين محسوبة إلى فئة متضررة تاريخيًا الشعب الكوردي وإلى الأطراف المعنية داخليًا وخارجيًا، من دون تقديم التزام تشريعي صريح أو جدول زمني للتنفيذ. وبهذا المعنى، تبدو الوثيقة جزءًا من سياسة كسب الوقت وامتصاص الضغط، لا خطوة نحو حل جذري، ما يعزز الانطباع بأن القانون لا يزال يُستخدم كأداة خطابية لإدارة الواقع السياسي، لا كوسيلة فعلية لتغييره.

