قراءة نقدية في خطاب “الدمج” بوصفه إعادة إنتاج لمشروع الإلغاء الكردي
لا يمكن قراءة خبر دخول قوات “الأمن العام” السورية إلى مدينة القامشلي، كما ورد في تقارير متعددة لمواقع الكترونية عربية ومن تصريحات لشخصيات رسمية وأشخاص من العامة، بمعزل عن السياق التاريخي والسياسي العميق الذي حكم علاقة الدولة المركزية السورية بالشعب الكردي. فالمقال، وإن بدا محايدًا في لغته الإخبارية، يُعيد إنتاج خطابٍ مألوفٍ يقوم على تطبيع الإقصاء عبر مفردات قانونية وإدارية ناعمة، تخفي في جوهرها نزعة إنكار وإلغاء، وصلت في مراحل سابقة إلى حدود الإبادة.
أولًا: وهم “الاتفاق” وغياب التكافؤ
إن تقديم دخول القوات الحكومية على أنه “تنفيذ لاتفاق” أنهى “أسابيع من التصعيد”، دون مساءلة طبيعة هذا الاتفاق، أو ميزان القوى الذي فُرض في ظله. فحين تُجبَر قوة محلية تمثل شعبًا تعرّض تاريخيًا للاضطهاد، على “دمج تدريجي” ضمن منظومة دولة لم تعترف يومًا بوجوده القومي، فإن الحديث عن اتفاق يصبح أقرب إلى إملاء سياسي لا شراكة وطنية.
إن تغييب أي صوت كردي مستقل ناقد داخل التقرير، والاكتفاء بتصريحات رسمية أو قريبة من السلطة، يفرغ مفهوم “الحوار” من مضمونه، ويحوّل “الدمج” إلى أداة تفكيك ذاتي لما تبقى من مكتسبات انتُزعت بدماء آلاف الضحايا في مواجهة داعش، لا منحة من أحد.
ثانيًا: “نهاية حلم روجآفا” أم استكمال لحلم الإبادة؟
العنوان الاستفهامي: “نهاية حلم روجآفا؟” ليس بريئًا. فهو يفترض ضمنًا أن التجربة الكردية في الإدارة الذاتية لم تكن تعبيرًا عن حق طبيعي في تقرير المصير وإدارة الذات، بل “حلمًا” عابرًا، يجوز إنهاؤه متى قررت الدولة ذلك. هذا التوصيف يعكس الذهنية ذاتها التي حكمت سياسات التعريب، والإحصاء الاستثنائي، والحزام العربي، وكلها مشاريع استهدفت اقتلاع الكرد من الجغرافيا والتاريخ.
إن هذا “الحلم” الذي يُراد دفنه اليوم لم يكن مشروع انفصال، بل محاولة لبناء نموذج تعددي ديمقراطي في فراغ الدولة المنهارة. ومع ذلك، يُعاد تصويره كخطأ تاريخي يجب تصحيحه، في استعادة رمزية لمنطق الأنفال، لا كحدث عراقي فقط، بل كـ عقلية سياسية ترى في الكرد فائضًا بشريًا قابلًا للإزالة.
ثالثًا: توظيف الدين وتقديس العنف
مجمل الخطاب السياسي الأوسع للدول الإقليمية و العربية منها إلى جانب سلطات الأمر الواقع محليا في سورية والذي يتحرك فيه لا ينفصل عن تقديس العنف باسم الدولة أو “الشرعية”، وهو ما يلتقي موضوعيًا مع التأويلات المتطرفة لمفاهيم دينية مثل “الأنفال”، التي استُخدمت تاريخيًا لتبرير الإبادة الجماعية للكرد في العراق.
حين يُجرَّد شعب كامل من حقه في الدفاع عن ذاته، وتُصوَّر أي مقاومة أو رفض بوصفه “خيارًا كارثيًا”، فإننا أمام منطق أخلاقي واحد:
القتل، أو الإلغاء، أو الإذابة القسرية، تصبح أفعالًا “مشروعة”، بل “واجبة”، طالما أنها تتم تحت راية الدولة، أو باسم وحدة البلاد، أو بتواطؤ صامت من خطاب ديني–سياسي يجرّم الضحية ويبرّئ الجلاد.
رابعًا: تحميل الضحية مسؤولية الجريمة
يبلغ الخطاب ذروته حين يُحمِّل المقال، نقلًا عن مصادر، قوات “قسد” و”حزب الاتحاد الديمقراطي” مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، متجاهلًا عقودًا من التهميش الممنهج، ورافضًا الاعتراف بأن ما يجري اليوم هو استمرار لمسار تاريخي لم يسمح يومًا بقيام شراكة حقيقية مع الشعب الكوردي على مستوى سوريا وعلى جانبي الحدود.
بهذا المنطق، يصبح الكردي متهمًا لأنه حاول أن يكون فاعلًا في تاريخه، ويُدان لأنه لم يقبل بالذوبان، ويُهدَّد لأن وجوده ذاته يُعدّ مشكلة سياسية.
تحوّل الحديث المتكرر عن الوطنية والأخوّة الإسلامية، في الوعي الكردي الجمعي، من قيمٍ جامعة يُفترض أن تحمي الإنسان وكرامته، إلى جرعة سمّ تُقدَّم يوميًا باسم الأخلاق العليا. فكلما ارتفع منسوب هذا الخطاب في لحظات الأزمات، تبيّن أنه لا يُستدعى إلا لتجريد الكردي من حقه في السؤال والاعتراض والدفاع عن ذاته، لا لتأمين العدالة أو الشراكة. الوطنية، كما تُطرح في الخطاب الرسمي والشعبي المهيمن، لا تعترف بالكردي إلا حين يصمت، ولا تحتمل وجوده إلا بوصفه تابعًا منزوع الإرادة، فيما تُستخدم “الأخوّة الإسلامية” كأداة ابتزاز أخلاقي تُفرغ الدين من جوهره الإنساني، وتحوّله إلى غطاءٍ لتبرير الإقصاء، بل وتقديس العنف حين يُمارس ضد “الآخر” المختلف قوميًّا. في هذه الصيغة، لا تعود القيم جسورًا للتلاقي، بل تتحول إلى أدوات قتل ناعم، تُطالِب الضحية بالتنازل باسم الوحدة، وبالقبول بالإلغاء باسم الإيمان، وبشرب السمّ بطمأنينة لأن من يقدّمه يدّعي أنه يفعل ذلك حبًّا بالوطن وبالدين معًا. وهكذا، يصبح الخطاب الذي يُفترض أن يحمي الشعوب، أحد أخطر الأسلحة الموجّهة ضد الوجود الكردي، لأنه لا يقتله بالسلاح فقط، بل يسعى إلى قتله أخلاقيًا، وإقناعه بأن نجاته خيانة، وأن مطالبته بحقوقه خروجٌ عن الوطنية والأخوّة معًا.

